عسلية بجنيه قصة قصيرة ليحيى البوليني أشرقت الشمس بحرارتها اللاهبة فأيقظته بحرها الذي لا تحميه منه تلك العشة ق...
عسلية بجنيه
قصة قصيرة ليحيى البوليني
أشرقت الشمس بحرارتها اللاهبة فأيقظته بحرها الذي لا تحميه منه تلك العشة قليلة الأثاث التي يسكن فيها
لم يستطع النوم في هذه الليلة كغيرها من الليالي, وحتى إن نام أو غفا لا يشعر براحة في النوم كما في اليقظة تماما
كانت ليلته مقلقة ومزعجة بشدة لم يستطع فيها أن يهنأ بنومته التي يشعر أنه يسرقها من هذه الحياة
أصوات المقهى في الشارع تتصاعد حتى الصباح بينما لا يستطيع إطلاقا غلق النافذة التي تطل عليه فهذه النافذة هي كل ما يربط غرفته التي تقع على سطح المنزل بالحياة
ففي هذا الحر القاتل يصبح غلق نافذة الهواء الوحيدة ضربا من الجنون
الجنون ؟ هل يمكن أن يتخيل أن ينتهي به وضعه الذي يعيش فيه إلا لما يمكن وصفه بالجنون
بل الجنون أيضا ما يعيشه الآن
لا زال صوت أنين أمه التي تحاول جاهدة كتمانه يفتك به
آهاتها التي تصدر منها من آثار الفشل الكلوي الذي تعانيه لا يمكنه وصفه أو تحمله أو فعل شيء من اجله
في كل أسبوع مرة يجب عليه ان يحمل أمه على ظهره لينزل بها خمسة طوابق ثم لتركب التوكتوك حتى تصل إلى الموقف الذي تركب سيارة منه إلى المستشفى ليقضي يوما ما أشقه عليه ثم يعود بها بعد جلسة الغسيل
أصعب ما يلاقيه ليس حملها ولا قيامه طوال الأسبوع بما يشبه عمل الأراجوزات لكي يأتي بمتطلبات حياته هو وأمه من مطالب المعيشة ودفع إيجار الغرفة الحقيرة التي يسكنها وفاتورة الكهرباء التي تعجب من ارتفاعها الجنوني رغم أن غرفتهم لا توجد بها إلا مصباح واحد ولا يوجد أي جهاز كهربائي ولكن الفاتورة تقصم ظهره كل شهر مما جعله يفكر جديا في كونه هو وأمه لا يحتاجانها ..
ولكن إن استطاعا الاستغناء عن الكهرباء فلن يمكنهما إطلاقا الاستغناء عن الماء نظرا لحاجة والدته إلى أن تذهب للحمام كثيرا كان يمكنه الاستغناء بالمسجد المجاور حيث كانت دورة مياهه مفتوحة لأطول وقت بين الصلوات وكانت هناك دورة مياه في المقهى الذي يمكنه دخوله في باقي الوقت نظرا لأنه من المرافق الهامة للمصريين التي لا تغلق على مدار الأربع والعشرين ساعة
ولكن بالنسبة لامه فلابد من وجود للمياه رغم أنها لا تصلهم إلا قرابة الساعتين يوميا فقط قبيل الفجر فكانت أمه تملأ عددا من الزجاجات الكبيرة بالخرطوم الطويل الذي تنقله بينها فلم تعد تقدر على رفع تلك الأواني
لم يتعبه كل ذلك بمقدار التعب الذي يشعر به نتيجة خوفه من اللحظة التي سيفقد فيها أمه
هي له كل شيء ومن اجلها نسي أمر أنه حاصل على مؤهل عال ، بحث عن عمل بمؤهله لكنه ليس من السهل أن يجد عملا بمؤهله , وإذا وجده سيكون في أحياء أخرى تتطلب غيابا طويلا عن بيته بل الأهم عن عين أمه وستغيب هي عن عينه
عمل في كل الأعمال التي عرضت عليه أو التي وافقت عليه
عمل في المقهى المجاور ولكن ابن صاحب المقهى انتهت فترة تجنيده فعاد ليعمل في المقهى الذي يملكه والده فلم تعد المقهى تحتملهما معا, وصاحب المقهى معذور أيضا ويشتكي كثيرا ضيق الحال ,فمن حقه أن يوفر هذا العمل لابنه , وكان يصدقه في شكواه فكل شيء صار أغلى مما سبق بكثير فهو يرى الفواتير من مياه وكهرباء وغاز واشترى معه الأكواب والكراسي والعدة فكان صاحب المقهى يعاني هو الآخر معاناة شديدة ولكنها ليست بالقطع تشبه معاناته
وكذلك الزبائن فمعظمهم من المفلسين العاطلين الذين يجلسون بالساعات لا رغبة منهم في الجلوس على المقهى ولكن لعدم وجود مكان آخر يقضون يومهم فيه واغلبهم لا يطلب إلا كوبا من الشاي مع الدومينو أو الطاولة او الشطرنج وآخرون يجلسون الساعات الطوال ليشاهدوا القنوات الرياضية المشفرة حيث تصبح المشاهدة والتفاعل معها نوعا من التخدير الذهني حتى ينسوا مشكلاتهم ومعظمهم لا يملك في جيبه سوى ثمن كوب الشاي الذي شربه ، فإذا عاد وخرج من المقهى تعود له ذاكرة همومه التي لا يجد لها حلا
جرب أن يبيع أي شيء على كورنيش النيل على العشاق الذين يقفون بالساعات مثنى مثنى يتحدثون ويتهامسون وأحيانا يسرقون لمسات أو أكثر من اللمسات ويظنون أن الناس لا يرونهم , ولكن حتى ولو رآهم أحد فالكل مغيب في هذه اللقاءات التي يتخذون منها أيضا مخدرات وقتية غير مكلفة لينسوا فيها شبانا وشابات همومهم ليعودوا بعد هذا الوهم الذي يرونه لذيذا إلى مشكلاتهم الحقيقية
وقف ليبيع السميط والجبنة ، لم يجد ارخص منها بضاعة ، فبضاعات الورد والدباديب وغيرها لا يوجد لها سوق هنا ، فلو لم يكن هؤلاء العشاق المغيبون مفلسين لما وقفوا بالساعات هنا ، فلا يملك الشاب ولا الفتاة شيئا ، وأهم بند ينفق فيه المفلس أن يتناول أرخص طعام يمكنه أن يدعو فتاته عليه ليثبت لها كرمه واحتواءه لها واستعداده أن يتكفل بها ، هو يخدعها لأنه لا يملك وهي تنخدع بإرادتها لأنها لا تملك بديلا
فكان يربح منه يوميا ما يكفيه وأمه لكي يأتي بوجبة العشاء ويفيض شيئا تأكل منه أمه في الصباح حيث لا يملكون ثلاجة ولا يوجد لديهم أي شيء فائض ليضعوه فيها .
كان يرى تمثيلية الحب تمارس أمامه آلاف المرات على كورنيش النيل وهو يوقن أنها تمثيلية تخديرية لا أكثر كما كان يدرك تماما أن اهتمامات رواد المقهى وانتماءاتهم الرياضية واختلافهم الذي يصل إلى درجة التشابك كان مجرد تمثيلية تخديرية أيضا
وكما لفظته التمثيلية الرياضية على المقهى لفظته التمثيلية العاطفية على الكورنيش ، ففي حملة جاءت على الكورنيش جاءت محملة بمباحث الآداب والتموين وغيرها كان نصيب العشاق مع بوليس الآداب بينما كان نصيبه مع مباحث التموين الذين صادروا الصندوق الخشبي الذي كان يحمله ليبيع عليه السميط والجبنة وصادروا البضاعة ليخسر رأس ماله وربحه ويقضي ليلة لم يستطع فيها النوم خوفا على أمه التي ستبيت بلا عشاء والاهم بلا اطمئنان على وليدها
فكر أن يهرب من كل هذه الضغوط ليعمل في القطار يركب فيه وهو يحمل كيسا صغيرا غير ثقيل على يديه ، كيسا به بعض العسلية ويركب القطار من رمسيس إلى شبرا لينزل فيها ويركب القطار العائد من شبرا إلى رمسيس وهو ينادي "عسلية بجنيه"
لم يكن وجهه مماثلا لوجوه البائعين ، فحتى هذه المهنة يحتكرها أربابها وليس من السهل عليهم القبول بدخول وافد جديد عليهم رغم أنه وجد من بعضهم شخصيات تتسم بالرجولة الحقيقية ، لكن الوجوه في هذه المهنة تتغير سريعا جدا
وسرعان ما طرد منها بعد مشاجرة مفتعلة خسر فيها أيضا رأس ماله وألزمته بيته لثلاثة أيام لا يستطيع الحراك بينما كانت نظرة في عين أمه واستماعه لأنينها دافعا له لكي ينهض لينحت في الصخور لأجلها
دفعته الظروف القاسية إلى التفكير المجنون ، فهو كان يدرك ويخشى منذ البداية أن هذه الظروف قد تدفعه إلى الجنون
وتمثل الجنون في الحديث الذي حدثه أحدهم به عندما جلسا سويا يندبان حظهما بأن هناك مستشفى معروفة يمكن له فيها أن يتبرع ( والأدق أن يبيع) بعضا من أعضائه لكي يعالج والدته
رفض مطلقا في بادئ الأمر ، وظل شهورا يحاول طرق الأبواب
وعندما أغلقت في وجهه كل الأبواب ذهب إلى صديقه هذا ليبلغه بموافقته على بيع كلية من كليتيه ويطلب منه سرعة الإنهاء فاتفقا على صباح الغد لكي يتم التبرع أو بالأحرى أن يبيع
وبات ليلته وهو يستمع لأنين أمه المتزايد المتصاعد، حاول تهدئتها وملاطفتها بل حاول أن يحصل منها على ابتسامة وهو يقبل قدمها ويفعل المستحيل لكي تبتسم بان قال لها إن لديه عملا في الغد سوف يحل مشكلتهم ، ابتسمت إرضاء له رغم معاناتها ، وطلبت منه الذهاب للنوم للحاق بعمله فذهب معها إلى الحمام لكي تستند على كتفه ثم عاد بها , استعدت للنوم على بقايا ما كان يسمى في يوم من الأيام كنبة أو أريكة ، ذهب هو أيضا للنوم على الفراش المبسوط على الأرض بجوارها ظل يتابعها حتى تنام ثم ينام بعد ذلك فبدأت أنفاسها تهدأ وآهاتها تخفت فاطمأن ونام
في الصباح ما إن لفحته الشمس بحرارتها ولم ينل كفايته من النوم كالمعتاد وقبل أن يفتح عينيه فكر في هذا اليوم الذي سيبيع فيه جزء من جسده لكي تشفى من هي أغلى عليه من كل جسده
فتح عينيه واقترب منها ليطمئن عليها قبل أن ينزل لكي يتمم البيع وهو مستريح نسبيا لعدم سماعه أنينها فكان يمني نفسه بأنها اصبحت افضل ولو قليلا لكنه فوجئ بأن الكابوس الذي ظل يخيفه دوما قد تحقق
ففي يومه هذا ... انتهت مشكلة أمه للأبد
انتهت معاناتها
انتهى أنينها
ولم يسمع ثانية صوتها الذي كان يؤلمه سماعه فصار بعدها يؤلمه فقده
اقترب منها فلم يجد في جسدها حركة
وجد جسدها باردا في ظل هذا الحر وفي حر لفح حرقة قلبه
بكاها وظل يبكيها ما بقي من عمره
يحيى البوليني

ليست هناك تعليقات